النويري
329
نهاية الأرب في فنون الأدب
من الليل اجتمعوا على باب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يرصدونه حتى ينام ، فيثبون عليه ، فلما رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مكانهم قال لعلىّ بن أبي طالب رضى اللَّه عنه : « نم على فراشي ، وتسجّ ببردى هذا الحضرمىّ الأخضر ، فنم فيه ؛ فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم » . قال : فقال أبو جهل ومن معه على الباب : إن محمدا يزعم أنكم إذا تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم من بعد موتكم ، فجعلت لكم جنان كجنان الأردنّ ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ، ثم بعثتم من بعد موتكم ، فجعلت لكم نار تحرقون فيها . قال : فخرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فأخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : « نعم أنا أقول ذلك ، أنت أحدهم » ، وأخذ اللَّه على أبصارهم فلا يرونه ، فجعل ينثر التراب على رؤسهم وهو يتلو هذه الآيات من سورة يس : * ( ( يس . والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) ) * . إلى قوله : * ( ( وجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) ) * « 1 » . ولم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد ، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا ، قال : خيبكم اللَّه ، قد واللَّه خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كلّ رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا ينظرون فيه فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فيقولون : واللَّه إن هذا لمحمد نائما عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام علىّ عن الفراش ؛ فقالوا : واللَّه لقد كان صدقنا الذي حدّثنا .
--> « 1 » سورة يس 1 - 9